Lettre de Paris

تخليدا لليوم العالمي للراديو : من وطار إلى أبي أو سيناريو أجمل ذكرياتي الإذاعية

Publié

le

يصعب على الصحفي الذي مارس مهنته بحب خرافي أن يكتب بموضوعية وببرودة دم عن أجمل ذكرياته حينما تختلط وتتداخل مع ماضيه العائلي وبالوالدين تحديدا وما أدراك من الوالدين عند المؤمنين والملحدين على السواء . لهذا السبب تعذرني السيدة أزولاي وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة والمديرة الحالية لليونسكو أن أربط بين تكريمي للوسيلة الإعلامية المفضلة لدي رغم أنفي بمناسبة اليوم العالمي للراديو التي احييته المؤسسة الثقافية يوم الثالث عشر من الشهر الجاري وبين تكريمي لأبي الذي لقنني درس حب وسيلة الأميين والفقراء والمعوقين والمهمشين والمعزولين والعميان ، ومنهم المليار الذي لا تصله هذه الوسيلة ّ « الديمقراطية » رغم التطور الهائل لتكنولوجيا الإعلام .

أبي الذي كان أميا ومواطنا صحفيا قبل بروز فيسبوك ـ الذي يسئ إليه الكثير من الجزائريين وغير الجزائريين ـ ، سبق الملايين إلى هذه الوسيلة التي حفظت ماء وجه سياسيي وإعلاميي فرنسا في عز انتفاضة السترات الصفر بجنيها أقل سخط جماهيري بحكم طبيعتها الإعلامية الأقرب إلى التبعيد العقلي الذي نظر له برتولد بريخت مسرحيا والأبعد عن التخدير الوجداني بفعل وطأة وسطوة الصورة . أبي الذي كان ينام ويستيقظ ويمشي ويحرس الماشية ويغذي الأرانب والدجاج ويعتني بالحديقة مستمعا للراديو هو من بث في أعماقي سحر ورونق وسر الصندوق العجيب الذي مازال صامدا في وجه الزحف الجنوني لثورة اتصال كان من شأنها أن تدهش مارشال ماكلوهان أستاذنا الكندي الخالد .

حب أبي الأسطوري للراديو حوله إلى مثقف في نظر أكثر من قريب عائلي ، وكيف لا وهو الذي كان يدهشني ويدهش الجميع في جلسات حميمية بسبق صحفي عن انقلاب ما أو عن موت نجم ما في هذا المجال او ذاك وبمعلومات علمية وتاريخية عن هذا المرض أوذاك أو هذه الأغنية أو تلك بعد جولته عبر إذاعات واشنطن وموسكو والقاهرة والجزائر بطبيعة الحال رغم انفه. انا التلميذ و الطالب الذي كنت و الصحفي الذي اصبح يتنفس مهنته في سن مبكرة مباشرة بعد تخرجه من كلية العلوم الإعلامية والسياسية ، لم ادرك فضل ابي علي ولم اكتشف قوة ومتعة وسحر الراديو إلا بعد ان قضيت فترة طويلة معلقا ثقافيا في جريدة الشعب .

ولأن التاريخ يصنعه الرجال غير العاديين مثل أبي التاريخي المتميز في العائلة والمثقف الإعلامي الأمي، لم يكن ممكنا إلا لرجل تاريخي في حجم الكاتب الكبير الراحل الطاهر وطار أن يشتم في كاتب هذه السطور ما يمكن أن يعد إضافة للقناة الأولى لكن بالشكل الذي يترك اثرا إعلاميا يعزز تركته التي ستبقى راسخة في مسار ومسيرة الثقافة والادب رغم أنف أعدائه وأنصاره الذين جددوا الرواية بمستويات متنوعة قابلة للنقاش كأي إبداع.  في استديو برنامج « الدفتر الثقافي » الذي رافقتني فيه فترة قصيرة الزميلة الكبيرة خديجة بن قنة وفي استديو « من قضايا الثقافة » لاحقا ،عشت اجمل أيام تجربتي وراء الميكروفون مناقشا عددا من المثقفين الذين رحلوا في صمت مطبق .

بوعلام رمضاني يحاور المثقفين الكبيرين الراحل حنفي بن عيسى ومرزاق بقطاش يوم 23 اوت عام 1990

أبو القاسم سعد الله وعبد الله ركيبي، حنفي بن عيسى، أبو العيد دودو، بن منصور المدير السابق للمؤسسة الوطنية للكتاب، المفكر المغربي المهدي المنجرة، محمد الطاهر عدوانيكانوا من ضيوفي الكبار الذين رحلوا بعد تاريخ حافل من العطاء فضلا عن مثقفين مازالوا على قيد الحياة من أمثال أحمد بن نعمان ومحمد البشير شنيتي ومرزاق بقطاش ورشيد بوجدرة وبرهان غليون استاذي السابق في جامعة السوربون وآخرين كثر، وكل هذه الأسماء وآخرى كانت وستبقى محفورة في تاريخ وجداني وعقلي وفي مسار ومسيرة ذكرياتي الإذاعية التي لا يمكن أن الحديث عنها دون ذكر أسماء مخرجين اضحوا أصدقاء ومن بينهم يوسف عابد وإبراهيم تيدافي وصحفيات وصحفيين من أمثال الرائدة فاطمة ولد خصال .

اختم تكريمي للراديو تخليدا لذكرى احتفاء اليونسكو به في باريس مضيفا ان في العاصمة الفرنسية نفسها حاولت خدمة وطني من وراء البحر اللازوردي لكن أعداء الثقافة اقصوني بقذارة كما اقصوا زميلي محمد الزاوي . في العاصمة الفرنسية قمت بتغطية أمسية قصر فرساي للمياه الموسيقية ومعرض أم كلثوم مباشرة باجتهاد مني، وكانت مكافأتي في شكل توبيخ في مكتب مسؤول يعادي الفنون والثقافة (شكون قالك دير المباشر اخطينا)، وهو التوبيخ الذي اعقبه قرار توقيفي من خلال الزميلة الرائعة شافية أشروف التي امرت بإبلاغي القرار محرجة ومكسورة القلب والعقل.

أبي وبخني أ يضا لأنني اخترت مخاطبته كمستمع سرمدي في ساعة متأخرة من الليل حينما كنت اقدم برنامج  » من قضايا الثقافة « ، و كان الراحل يستمع لبرنامج إبنه حتى النهاية ، ويقف في انتظاره أمام مستودع البيت متحديا البرد مكررا قوله الشهير عائليا « : ياك قلت لك شحال من مرة  » الليل يجيب العدو » والثقافة ما تندراش في النهار  » . مسكين أبي لم يكن يعرف أن أعداء الثقافة كثر في الجزائر عبر كل الفصول وفي الليل والنهار.

رحمة الله عليك يا مكرم الراديو قبل اليونسكو وبشكل لن تقدر عليه المديرة أزولاي، و أبي الذي لم يكن يطلب مني شيئا من باريس، كسر القاعدة وهو في سن متقدمة وطلب مني أن اشتري له مذياعا قديما من أسواق باريس للسلع والاشياء المستعملة، وستبقى صورة ابتسامته منقوشة من ذهب وماس في وجداني وهو يستلم من يدي مذيا عا من نوع  » إي تي تي« .

بحثت عنه بعد مرور بعض الأيام من جنازة ابي لأعود به إلى بيتي بباريس، وللأسف لم أجده بعد أن فاتني إليه أحد الأقارب، وأخذه لشم رائحة الطاهر وهو في القبر، وفعلا لم يخطئ في تعبيره لأن ابي كان يفوح بعطر ماء كولوني وبعطر الراديو.

أتوقف الآن عن الكتابة لأبكي وحيدا في صمت رهيب تحت وطأة لحظة وجدانية عظيمة الأثر والمعنى في ساعة متقدمة من الليل كناسك متعبد

Cliquez pour commenter
Quitter la version mobile